أبي طالب المكي
92
علم القلوب
الموحد ، تجرى عليه تعاريف حكمته ، في مجارى أحكام قدرته ، في لجلج بحار توحيد بالفناء عن نفسه ، وعن دعوة الحول والقوة ، بذهاب حسه وحركته ، بقيام الحق له فيما أراد منه ، يعنى أنه رجع إلى العبد [ في ] « 1 » أوله ، أي يكون كما كان قبل أن يكون لقوله : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى ، إذ كان [ ذلك ] قبل أن يكون . وهل أجابت إلا الأرواح الطاهرة المقدسة ، بإقامة القدرة النافذة ، والمشيئة السابقة ، فيكون العبد كما كان ، وأيا كان ، ولماذا كان ، وكيف كان ، وهذا غايته تحقيق حقيقة توحيد الموحد للواحد ، [ وهو ] أن يذهب كما لو لم يكن ، ويتلاشى وتنمحى أوصافه ، وتبقى أوصاف الحق كما لم يزل على معنى قوله : « صرت سمعه ، وبصره ، ويده ، ورجله ، وقلبه يسمع به ، ويبصر به ، ويأخذ به ، ويعقل به » . الآية الثالثة قوله جل وعلا : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [ التوبة : 3 ] سئل الجنيد عن الموحد ، فقال : من لم يشرك مع اللّه أحدا في تدبيره ، وحكمته ، وعلمه ، وأمره ، وقضائه ، وخلقه ، ورزقه ، وعطائه ، ومنعه ، كما قال تعالى تهديدا لمن أشرك معه فيما له غيره ، فقال : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [ التوبة : 3 ] ، يقول : من أشرك مع اللّه فيما للّه غير اللّه ، فاللّه ورسوله بريئان منه ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفاة في الليلة الظلماء » « 2 » . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن أدنى الرياء الشرك ، وإن أحب عباد اللّه إليه هم الأتقياء ، الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها آمنون » . وقال سبحانه وتعالى : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يوسف : 106 ] ، فهذا « 3 » إيمان في شرك . وقال بعضهم في معنى الآية : وهو قول الرجل : لولا كلب فلان لأخذنا
--> ( 1 ) في الأصل : إلى . ( 2 ) أحسن ما كتب في هذا الموضوع : » خمرة الحان ، ورنة الحان ، شرح رسالة سيدي أرسلان ، لسيدي عبد الغنى النابلسي ، طبع القاهرة . ( 3 ) في الأصل : فهذه .